![]() |
![]() |
|
![]() |
![]() |
||||
|
|
|
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||
![]() |
|
|||||||
|
|
||||||||
|
|||||||
| الرواية والقصص الطويلة فقط قصص طويلة , روايات طويلة , القصص التي تأخذ أكثر من صفحة , الروايات الخاصة بالاعضاء وغيرها |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 (رابط مباشر للمشاركة) | ||
|
|
- 3 - الرحيل
ليس من عادة الحاجب أن يدخل إلى غرفتنا دون أن ينبهنا، وكعادته أيضاً يحب المفاجآت وإحداث اضطرابات جسمية ونفسية لدى المتلقي. وحينما يكون الحاجب في وضعه الطبيعي. أحتاج إلى فترة ولو كانت قصيرة نسبياً إلى الإصغاء إليه كي أستطيع تفسير ما يقول. تتصل كلماته بعضها ببعض مخلوطة ومعجونة، وكيف ولو حُمِّل خبراً لإيصاله إلينا بسرعة. - أليس ما تريد إبلاغنا به أمراً هاماً! - نعم ! - أهي مفاجأة ما! التفت حيّان. أدار وجهه نحو الباب. قال: أتخسر شيئاً إذا تنحنحت! أو (رفست) بقدمك على آخر درجة من درجات السلّم. سألته : - ماذا جرى؟ هل من جديد؟ وانتظرت الجواب بفارغ الصبر! بينما كان الحاجب يُهدّئ أنفاسه ويُعيدها إلى حالتها الطبيعية. ناولني مغلفاً صغيراً مفتوحاً، وفي الزاوية اليمنى كُتب عبارة ( عاجل جداً)، ويُفتح بالذات من قبل المرسل إليه. تقارب وجهي ووجه حيّان قرأنا الأمر بشغف وسرعة. الحاجب يصفق ويبتسم مطمئناً أرواحنا وتساؤلاتنا. شربنا الشاي معاً " آخر كأس من الشاي في برج حمود". النافذة المفتوحة نحو الجهة الغربية هي الطاقة التي يستشف حيّان منها الأمل ويقرأ تأملاته الشفوية. يفتح قلبه للفضاء. يسرح بصره. يطير ويحلّق نحو خط التماس علّه يتنسَّم أخباراً جديدة قادمة من هناك. واسطته الوحيدة الهواء، يدفعه براحة يده، يحمّله رسالة شفوية وقُبلة طرية. تناول المغلف وقف باستعداد وقرأ بصمت. أخذ حاجباه يتقاربان، ثم يتباعدان. رفع رأسه قائلاً: جهّزوا أنفسكم للرحيل إلى " سن الفيل". وسيتم إبلاغنا عن آخر التطورات في الساعة الرابعة والنصف من صباح هذا اليوم. ومازالت الأمور قيد البحث والتداول، لكن هاجس الرحيل يُثقل رؤوسنا ويضغط بقوة أكبر من حبّ البقاء هنا...!! قمت بنسخ البرقية على الورق الطابع، وعممتها على جميع السرايا والفصائل العاملة في الكتيبة والملحقة بها. وشددت في ملاحظة كتبتها في أسفل الورقة. على الاستعداد الكامل للرحيل خلال " 24 ساعة" اتصلت أيضاً بوساطة الهاتف مع قادة السرايا للحضور إلى قا. ك والتشاور معه حول هذا الموضوع. بدأ حيّان يستعد والفرحة تغمره، فجميع السجلات الهامة والسرية للغاية ورتبها في صناديق حديدية وأحكم إغلاقها. رتب معه الفرش والأسرة والبطانيات وحزمناها بصورة جيدة. جمعنا أدوات الطعام والشاي والسكر والملح والبصل والبطاطا ومعلبات من الفول والحمص والبازلاء، وغيرها. وضعناها في صندوقين ننتظر ساعة الانطلاق بفارغ الصبر. كان مساءً حافلاً. كل شيء تغير في لحظة، وماهي إلاّ ساعات ويكون الصباح ويحلّ الوداع. سنة وأكثر تجرعنا فيها الآلام. تآلفنا مع المكان والبيئة والناس أصبحنا جزءاً من الأشياء المحيطة بنا. ومن الصعوبة الآن أن نترك خلفنا برج حمود، وشركة التبريد، ومعمل الحديد وشركتي النسيج والأدوات الكهربائية. أن نترك الجسور ونغادر دون رجعة. تسمّر حيّان ملهوفاً. أُصيب برعشة الفرح والحزن معاً، فهو من جهة سيتخلص من الأعباء اليومية الموكلة إليه، ومن جهة أخرى سيبحث بجدّية أكثر عن حياته ومستقبله. وبين الفرح والحزن تقف عائشة والمنظار والصور الجميلة المرسومة في قلبه. صور مؤطرة بالحب والخوف والمطاردة. هذه أشياء لن ينساها طوال حياته، ستبقى تُعيد نفسها، متجددة، وستظل تجربته، تجربة فريدة في نوعها ودرساً لقّنه حكايات سيحفظها ويتلوها على أبنائه في يوم من الأيام! المساء حافل بالاستعدادات والتحضيرات، وسيكون الصباح تعباً وسفراً ورحيلاً ووداعاً!!.. حمل " قا. ك" أوراقه وتعليماته وخريطة بيروت، تركنا متوجهاً إلى سن الفيل حيث " قا.ل"، وستصدر عن هذا اللقاء آخر التعليمات. ليلة حافلة بالسهر والعمل وترتيب الفرش والأسرة. وما إن أشرقت الشمس حتى كانت عناصر الكتيبة جاهزة، والسيارات محملة، والدبابات محمولة والمدافع مقطورة. تقف في المقدمة "البيتيئرّات" والمصفحات والملالات. وفي الخلف سيارات الغاز" 66" وعدد من " التاترات" _ القاطرة والمقطورة-
|
||
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 2 (رابط مباشر للمشاركة) | ||
|
|
وحسب تسلسل السرايا والفصائل الملحقة " السرية الأولى - الثانية - الثالثة - سرية المدفعية - فصيلة الدبابات - الكيمياء - الاستطلاع - الصواريخ المحمولة على الأكتاف - أجنحة الحماية - المهمات - المطبخ -الإسعاف".
أخذت كل سيارة رقماً حسب تسلسل المسير. كانت بداية الرتل عند أول جسر الدورة، ونهايته في برج حمود. وقبل إشارة الانطلاق، اصطف الجنود حسب سراياهم وفصائلهم على جانبي الرتل بلباس الميدان الكامل، يحملون أسلحتهم الفردية، والذخائر متحفزين لكل طارئ. يشوب الانتظار علامات الحذر، خاصة من مفاجأت تقوم بها القوى المناوئة وتُفشل خطة وقف إطلاق النار ويعود القتال من جديد، ولن يكون هذا العمل فيما لو حدث لصالح أي طرف من الطرفين. تأكّدت أن ممثل " الجبهة اللبنانية " تعهد أمام قيادة ضباط الارتباط بأن تسعى القوات المناوئة لتسهيل عملية الانتقال وعدم عرقلة مسيرة وقف إطلاق النار، وفتح المجال أمام القوة البديلة التي ستصل إلى منطقة الجسور. الأعلام السورية واللبنانية ترفرف، مثبته في السيارات، وتظهر الشمس أحياناً، وتغطس بين الغيوم في أحيان أخرى. وكانت السيارة التي تحمل الشهداء في مقدمة الرتل. سيارة مكشوفة فيها توابيت ملفوفة بأعلام البلاد. يجلس حولها الجنود وفوق كل تابوت باقة من الورود البيضاء والحمراء. هدوء قُبيل لحظات الانطلاق. هدوء ساخن وحذر. أحاديث خافتة تحمل لذة الاشتياق. فمنذ أسبوعين لم يتم مثل هذا اللقاء الحميم، لأن العناصر والجماعات منتشرة، وموزعة ولم يتحقق أي لقاء يجمع كل عناصر الكتيبة مرة واحدة. تتدفق بينهم أسئلة وأسئلة بحميمية صادقة وتآلف ومحبة. الذقون حليقة والوجوه تفتح صفحاتها للهواء والانطلاق. الأحذية ملمّعة، وتلمع الخوذ فوق الرؤوس وحربات الأسلحة موجهة نحو الأعلى. كانت اللحظات الأخيرة للتحرك ومغادرة المواقع الساخنة طيّبة وحارة. ولم يُفاجئنا أبو سركيس بقدومه، يحمل إكليلاً من الزهور نسقته زوجه على نحو هندسي. شكلت الأزهار بفنية رفيعة كلمة " الوداع". ويلفّه شريط أسود دلالة الحزن. يحمله طفلان، يمشي خلفهما رجال ونساء من الأرمن، يتقدمهم أبو سركيس وزوجه. كان "قا.ك" يرافقه ضباط من الكتيبة السعودية، يتفقدون المواقع، والأماكن التي سينتشرون فيها، تنقلهم سيارة جيب عسكرية. جولة ابتدأت من البحر حتى برج حمود، مروراً بأطراف منطقة الدورة. ونحن ننتظر وننتظر نهاية الجولة كي نتمكن من التحرك. عشرات العيون تحدّق في الجسور والشوارع المهجورة، والبيوت والمؤسسات المتروكة للريح بعد أن دمرتها وسرقتها العناصر المناوئة، وحرقت العديد من أجنحتها وآلياتها والمواد الأولية في مستودعاتها. وكانت شارة الصعود إلى السيارات صفرة طويلة.. أما الصفرة الثانية فعبارة عن صفرتين متقطعتين. الأبصار الموزعة في كل الأماكن والمنتشرة على امتداد خط الأفق، تتسلل عبر الكوى من الدبابات والمصفحات، وتمّر على بساط الحصى المفروش أمام شركة التبريد، وتقفز بين الحفر وفوقها. ودعنا أبو سركيس بكلمات دافئة ورائعة قائلاً:" عندما أزور عائشة أخبركم عنها كي تطمئنوا وترتاحوا. . أعلم أنها دخلت منذ يومين مشفى البريد، لأن جروحاً بليغة ألّمت بها، وشظايا حادة انغرست في لحمها، ودماء صبغت شعرها، وتركت دروباً جافة فوق نهديها ورقبتها".. يتعالى هدير السيارات، المصفحات. يتصاعد الغبار ممزوجاً بدخان المحركات. وصعدت السيارة الأولى جسر الدورة، ثم تبعتها عشرات الشاحنات والمقطورات والمجنزرات تفتح الفضاء باتجاه طريق نهر بيروت. وفي الاتجاه الأخر من الأوتوستراد كانت القوة السعودية الرمزية تنعطف مع آخر أكواع الطريق، وتنحدر فوق جسر الدورة باتجاه برج حمود. وقبل أن يصل رتل كتيبتنا إلى جسر الموت، ويتجه نحو سن الفيل، توقفت السيارات دقائق. هبطت مجموعة من خبراء الهندسة، يرافقها " رئيس الأركان" وتفحصت الطريق، وفتشت جوانبه على مسافة عشرين متراً بحثاً عن الألغام. ومجموعة أخرى كانت تنقل أكياس الرمل المكدسة في مدخل الجسر ومخرجه والسيارات المعطوبة لتفتح الطريق وتسهّل المسير. لا يستطيع حيّان إلاَّ أن يتذكر. المشاهد المؤلمة ترفع مزلاج باب الذاكرة، فتتدفق صفحات موجعة تحمل المرارة، وصفحات تحمل الجمال. وبرأيه " أن كل هذه الصفحات لا يمكن أن تتكرر ثانية، ولا يتلفها إلاّ الموت. فهي حيّة ووثابة مادام حيّاً". وعند أول الجسر بدأ يهمس في أذني: - من هنا تركت عائشة. من هنا ستعود إن عاجلاً أو آجلاً، تحمل المنظار وبندقية، لكنها في هذه المرة ستضع في فوهة البندقية وردة. - هذا سيحصل فيما إذا تعافت بسرعة ومالت إلى الشفاء. الجرح عميق كعمق نهر بيروت ومن غير السهل أن يلتئم بسرعة. سيظلّ ينزف دماً، ويتقيّح، ما دامت تتحرك فوق السرير، ولم تذعن لنصيحة الأطباء وتخفف من حركتها. مشت السيارات ببطء شديد. الحمل ثقيل، والجسر مخلخل. قواعده مزعزعة، وأرضه غير صالحة تنام فيها آلاف القذائف والشظايا. لانرغب أبداً ونحن في هذه الحالة أن يحدث أي شيء في هذه الطريق الملعونة. يكفينا جرحى وشهداء ودماء وتضحيات، وأيدي جنود مبتورة وأناس يمشون على العكازات، قُطعت أرجلهم، وجنود فقدوا في لمحة بصر. فلا تذكرني ببشاعة الموت. هذا الوحش القادم يتربّص للبشر أينما كانوا في البيوت أوفي ساحات المعارك وفي أماكن العمل وعلى مقاعد الدراسية.. ألا يكفي هذا الخوف! ألا يكفينا ما تهاطل علينا من قذائف ورصاص وصواريخ كلها تسبب الموت.. الموت والحياة قطبان للمسيرة البشرية منذ بدء الخليقة وتعمير الكون. وحياة الإنسان صفحات من التأمل للموت والحياة. مرة يلعن الإنسان الموت، ومرة يلعن الحياة. الخوف من الموت مشروع، كمشروعية الحياة. هكذا هي الحياة، ولكن ألا يودي بنا إلى الجبن والتوقف عن اتمام مسيرة الحياة. هكذا هي الحياة. هذه سنّة الدنيا! تئن السيارات وهي صاعدة في الطريق. نترك على يسارنا الأبنية المنسقة على نحو هندسي من حي " النبعة" ونتوجه إلى سن الفيل. خلفنا ما تزال السيارات تنتقل بخطا وئيدة. . جنود من قواتنا في سن الفيل وقفوا على جانبي الطريق يصفقون لنا بحماسة وترحيب، كأنهم يقولون : " أنتم السابقون ونحن اللاحقون ". الشمس تقف في منتصف السماء. الظهيرة حارة. تتسمّر الأشعة فوق جسر الموت تحمل دفء أنفاسنا، تاركة برودة تشرينية في أجسادنا، وبعض الخيوط الذهبية تنعكس بحب وأمل فوق صفائح السيارات وخوذات الجنود. دائرة واسعة شكلها الرتل أمام قيادة اللواء، حيث الساحة تتسع لآلاف البشر. هبط الجنود من السيارات يفتشون في حقائبهم، وأكياسهم عن " المأكولات. افترشوا الأرض والأرصفة، وفتحوا علب اللحم، والبسكويت، وبدؤوا يلتهمونها بحرية تامة. بينما اختفت الشمس وراء أشجار السرو والأرز، ثم ظهرت وهي تقطع الأبنية القريبة من البحر وتغطس في المياه، فتلوّنها بالزرقة الأخاذة للألباب. تأملت الصور الرائعة. وقفت بجانب حيّان الذي تعافى من الهواجس واكتفى بإشعال لفافة من التبغ العربي. كنّا نتأمل في هذه اللحظات صفحة من الأسرار التي كتمها كل واحد عن الآخر، وكان الأمل يخرج دافئاً مع أنفاسنا ويتسلق دوائر دخان السجائر المتصاعدة. ومع حلول الغروب حلَّ علينا ضيفاً من غير موعد أو إعلامنا، كان الحزن يتدرج ويقطع مئات الأمتار. يشتهي اللقاء معنا، لكن عائشة التي علمتنا كيف نفرح، وكيف نحزن شقّت طريقها، وخرجت من إحدى الزوايا المضيئة، وانهالت علينا دفقات من الذكريات، وكان بداية الصفحة فيها " أبو سركيس". ذكريات تُمطر حُبّاً وصدقاً، وهذه الذكريات من الصعب وضعها في سلة النسيان أو إهمالها، ستبقى خالدة وحيّة تسري في أوردتنا. تأكل وتنام وتشرب وتفكر معنا! أنوار خافتة، متباعدة تكشف بعض أسرار الظلام الذي سرعان ما خيّم فوقنا وأخذ ينسج حكايات الجنّ، يذكرنا بالغولة وحكايات الجدّات والجارات والأمهات. وأنوار معّلقة من رؤوسها على أعمدة تميل مع الريح أوتنصب قامتها حينما نقف بجانبها ونحن على أهبة الاستعداد للانتشار أو الحراسة والرصد والمراقبة. أعناقها وأعناقنا تشرئب إلى الفضاء الرحب ترسم لنا الأفق الذي يصل بين أطراف الشوارع وسطوح الأبنية. يؤشرلنا ويدلنا إلى طريق (جسر الباشا) عبر الأبنية القديمة والأزقة المبلّطة بالأحجار البازلتية، المنحنية والمتعرجة معها. توزعت السيارات في عدة اتجاهات. رافقتها السرايا والفصائل لتأخذ أمكنتها الجديدة في دائرة تطوّق قيادة اللواء.
|
||
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 3 (رابط مباشر للمشاركة) | ||
|
|
- ماذا يا حيّان؟ هل هي محطة مؤقتة؟ أم دائمة؟ وهل سيطول بقاؤنا في سن الفيل؟.
الوهن والتعب يلفان حيّان في هذا الليل. وقف في شرفة مفتوحة تطلّ على جسر الموت. تفقّد النجوم الضائعة. فتش عن القمر المختفي. ظلت غيوم سود تقف كسدٍ في الأفق السابح في سماء بيروت الشرقية. . تتالى مسلسل التمنيات " ربما نصادف غداً " الرنكوسي" ربما يصل الخبر من مشفى البربير، وربما. . بعدها أشياء غير هامة" عاد من الشرفة. جلس بجانبي على أريكة. سألني: أيمكنني زيارة مشفى البربير! ألم يحن الوقت! - أعتقد أن أسئلتك فيها مبالغة. ولا نعرف كيف نصل إلى المشفى! ربما خلال الأيام القادمة نتعرّف المنطقة، ومداخلها ومعابرها، عندئذ نبدأ بالتفتيش، وسنجد السُبل للوصول إليها، والتحدث معها عن قرب، ورؤيتها. - هاجس يراودني، ويهزّ كياني ولا أستطيع مقاومته. أنا يا محمود أضعف من أن أواجهه. أنا جسد ضعيف وروح مرهقة. أشعر أن قلبي أصبح أكبر بكثير مما أتصور. . أسمع دقاته المتراقصة تغني في هذا الليل، وتعزف نبضاته ألحاناً، تذوب في دمائي خلجات محروقة. وسيكون في الصباح حديث آخر وشمس أخرى! -4- في الصباح انقشعت الغيوم عن السماء. بقايا أدخنة تحمل هموم الحرائق والناس، تدفعها رياح خفيفة، توزعها في فضاء سن الفيل. ترتفع وتتعالى ثم تتلاشى. فتحت النافذة كان حيّان يتثاءب. اقترب مني وأشار إلى مكان قريب من موقعنا. .. أرض جرداء، خاوية وممسوحة مثل "الكرنتينا"، فلا أثر للبيوت والحدائق والمدارس والناس، اللهمّ سوى عظام متناثرة دُفنت في أمكنتها ونبتت فوقها الأعشاب البرية. غيرّ اتجاهه وبدأ يتذكر قائلاً: - أتذكر حوادث الموت والدمار يا محمود!.. - الذكريات الأولى بعد وصولنا إلى كتف البحر بفترة قصيرة، اشتعلت الفياضية الواقعة على طريق الشام، حين بدأت القذائف ترعد، والرصاص يحصد الجنود في خيامهم، ومما أدى إلى قتل العشرات.. هؤلاء، فاجأوا مجموعة من عناصرنا في ليلة باردة من شهر شباط، ومنذ ذلك التاريخ توترت الأجواء واشتعلت نيران المعارك. - كنت أعتقد مثلك أننا سنتجول في بيروت مُحررين من القيود، وهذا ما حصل خلال الشهور الثلاثة الأولى من وصولنا، وكانت الأمور تسير سيراً طبيعياً. تبدلت مهمتنا ووضعنا في خندق المواجهة ونحن لا نريد ذلك، فقد انتقلنا من المراقبة والفصل بين المتنازعين إلى المواجهة القسرية، وتصاعدت الأجواء، وتعكّرت بسرعة جنونية. - عرفت وتيقنت أن حماية عائشة لن تكون سهلة وبسيطة. تحتاج إلى فنّ في التعامل وفنّ في التفكير، وفنّ في العلاقة مع الناس، وحتى مراقبة البحر برأيي تحتاج إلى فنّ الرؤية. أحضر حيّان القهوة الصباحية، فهو لا يستطيع التحدث أو الاصغاء أو العمل، إلاَّ بعد أن يحتسي فنجانين من القهوة الحلوة، ويدخن معهما سيجارتين من الدخان العربي. يحمل نوعين الأول عربي مرطب وملّبد في علبة نحاسية، والثاني، دخان أمريكي يستخدمه أثناء العمل أوالانتقال والحركة، ويترك الدخان العربي للسهر الطويل. هذه نافذة جديدة يفتحها حيّان في جدار قلبه أرى من خلالها أعماقه الجوّانية قلت: له : اُنظر، ما أجمل هذه المنطقة، وتلك المنحدرات المزروعة صفوفاً من الأشجار وما أجمل هذا التناسق الذي صنعته أيدي الإنسان، وهذا الدوّار الكبير، والشوارع العريضة، وهذه القصور الرخامية ذات السطوح القرميدية. انظر أيضاً هذه الحفر الضخمة، فوهاتها واسعة كبحيرات أو فجوات خلفتها البراكين، وهذه أيضاً صنعتها أيدي الإنسان! تأملّ الطبيعة، وما صنعه الإنسان، العامر بالدفء، والمزدحم بالدمار والخراب... أشرت إلى مرابض المدفعية المواجهة لنا، وإلى الدبابات المسترخية في حُفرها، والرشاشات المنصوبة فوق الأكمات، والحواجز، والراجمات الجاهزة فوق السطوح، والتحصينات والهدوء المخيم، القابل للانفجار في لحظة، وزمور الخطر والبوق الذي يفتح فمه نحونا، وإلى سيارات الإسعاف، والمشفى المتنقّل، وحزمة بيضاء من الأطباء والممرضين، وإلى المطبخ وسيارات الإطعام، والمؤن والمهمات " مدنية بكاملها تضجّ بالحركة". حينئذ، تذكرت الملازم الأول " بركات" عندما أصابت عينيه شظية، وكادت أن تقتلع نصف وجهه الأعلى. مدّ عنقه. طوقته بيدي من وسطه خوفاً من سقوطه من الطابق الثالث. في البناية التي التجأنا إليها والمحصورة بين شارعين فرعيين والمواجهة للشارع الرئيسي الذي يقودنا إلى طريق الشام... هل تتذكر يا محمود تلك الليلة الشمطاء الملوثة بالأنين والوجع والتعب والخوف والجوع؟. الأيام تمرّ سريعة الآن. أجواء هادئة، لكنها مسكونة بالمفاجاة. لا شيء يزعجنا سوى قنصات منفردة تغني وحيدة، ولا نسمع صوتها إلاَّ حين تقترب منّا. تتجمع الأفكار في الذاكرة، هذا الخزّان الذي يتسع لأوجاع جديدة، واحتمالات جديدة لبدء القتال. تمنيات تختال ضاحكة، تدور وتلفّ نسيجها حول جسدينا. أفكار تنقلنا إلى مدينتي دمشق وحلب. لحظات من الوجوم. أسئلة عديدة. . لكن ماذا بعد ذلك ؟! هل ستمتد هذه الأيام وتطول؟ أجاب وهو يسرّح بصره مبتعداً عن هذه المنطقة. - أعتقد أنه تجاوز خط التماس وانتقل إلى مشفى البربير، وشكل البياض حاجزاً بين القلب والرؤية. صفحات تعود إليه الآن. صفحات أحلام. تركته ينساب مع أحلامه وآماله، ولا أريد أن أقطع هذا الخيط الحريري. قلت لنفسي :" لا أريد أن أفتح باباً جديداً تدخل منه أوجاع الماضي وآلام الشهور في " الدورة" و"برج حمود"، ولا أريد أن أذكره بحالات الموت البطيء واتعاب الرحيل والنوم على البلاط، وقلة الماء وانقطاع الكهرباء الدائم، والخبز اليابس، والعِشرة الطويلة مع أبي سركيس. سأترك الحرية له أن يفكر وحيداً دون المساس بأحلامه، وقطع شروده بأية كلمة". سأتركه يتجاذب عقب لفافته ويمضغ آخر المجاّت المكهربة، وينفث الدخان. انتقلت إلى غرفة أخرى. عُدت بعد دقائق. أحدثتُ حركة خشنة. التفت إلى الوراء. سألته: ألا ترغب بالتجوال في هذا المساء بين تلك الأبنية. وبعدها نجلس فوق هذا المرتفع بين الأعشاب - ما دام الوضع يسمح لنا؟ أريد من أعماقي أن نمشي معاً فوق ذاك الرصيف المحاذي للقصر القرميدي، الذي تحيطه الأشجار الباسقة حتى ولو كانت تحمل ( أطناناً) من غبار الفضاء وغبار القذائف، فهي حتماً حزينة. .. هلمّ يا حيّان. . أسرع. ربما نسمع بعض الأخبار، ونتسلى مع الأصدقاء. وافق بعد " علاج" طويل وأخذ وردّ وأحياناً كان يماطل، لكني سحبته من يده، وهبطنا إلى الشارع المطلّ على ساحة واسعة، وخطواتنا تقيس طول الرصيف. بدا الصمت كجدار يفصل بيننا، ولم نلتفت إلى بعضنا. كل واحد يسرح بأفكار ويمرح كما يريد. بينما كان يدقّق ويتمّعن في القصر الجميل. عيناه تتسمران في منحدرات وانحناءات القرميد الأحمر والجدران الحجرية الناعمة والسميكة، كنت أدفئ روحي باحلام دون وجود معطيات لتحقيق بعضها. " تتلبد بيروت بالغيوم، تتناثر فوقها آلاف الرسائل والتحيات القادمة من بلاد بعيدة" قلت: منذ فترة لم نسافر. هل يطول بقاؤنا في سن الفيل؟ أجاب: انتهت الخدمة الإلزامية، ها نحن ندخل الشهر الرابع في الخدمة الاحتياطية وتجاوزت خدمة غيرنا نصف سنة. أنتم صف الضباط تتمنون أن لا تنتهي خدمتكم الاحتياطية لأن رواتبكم تتضاعف. أما نحن أصحاب الرواتب القليلة فلا فرق كثيراً عندنا. - هذا جانب صحيح لأني وخلال هذه الفترة القصيرة من الاحتياط تخلصت من ديوني المتراكمة منذ سنوات. عُدنا إلى الغرفة. الليل يمتد فوق الساحة الكبيرة. برودة ونسائم خريفيان تلغماننا، وتهزان الأشجار. قنابل مضيئة تتراءى من بعيد قادمة من الضاحية الجنوبية. تدور حول طريق الشام. أغلقت النوافذ. أشعلت شمعة طويلة وجدتها فوق رفّ المطبخ كانت من مخلفات الكتيبة التي حللنا مكانها. ينتقل حيان من غرفة إلى غرفة، ومن شرفة إلى شرفة. لايهدأ أبداً.يراقب ظهور القمر والليل والسكون. يزرع أشجانه وآماله. بعضها ينبت، وبعضها يندمل في الأرض. ولا يعكرّ صفاءه إلاَّ الأحلام المغلّفة، والأحلام المغلّفة في ومضات من الألم. ولم تتعكر حياته في هذين الشهرين إلاَّ بعد أن لامست أصابعه دفء جسد عائشة، خاصة بعد أن طبع قبلة على شفتيها وقبلتين على جبينها. شعر آنذاك بالحب الحقيقي، وشعرت عائشة بأنها فتاة تستحق هذا التقدير. تلّمس شعرها المنثور، المفتوح فوق كتفيها دون رقيب، فشعرت في حينه بأنوثتها وإنسانيتها. حان الوقت للنوم، ولو أنه لا يطيل الأعمار. ورغم الأنين الداخلي غير المسموع الذي يسرق أحلامه المتحركة، ابتسم، ابتسامة نائم. شعرت أن التفاؤل يشق طريقه في درب جديدة، وأن خطة يرسمها في ذهنه وقلبه، وسينفذها في الأيام القادمة. ومن حقي الآن أن أبحث عن سبب هذه الابتسامة، وفي هذه الليلة، مقارنة مع الأسابيع الماضية. فهمت الدافع. استدركت أنه قبل أن يلقي رأسه على الوسادة أخرج قطعة من تحتها، قبّلها مرتين ووضع كفّه تحت رأسه ثم أطبق جفنيه. كنت أراقب حركاته. أفتح البطانية بهدوء، وأشم رائحة عُطرٍ نفثت في جو الغرفة أريجاً.
|
||
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 4 (رابط مباشر للمشاركة) | ||
|
|
عُدنا إلى الغرفة. الليل يمتد فوق الساحة الكبيرة. برودة ونسائم خريفيان تلغماننا، وتهزان الأشجار. قنابل مضيئة تتراءى من بعيد قادمة من الضاحية الجنوبية.
تدور حول طريق الشام. أغلقت النوافذ. أشعلت شمعة طويلة وجدتها فوق رفّ المطبخ كانت من مخلفات الكتيبة التي حللنا مكانها. ينتقل حيان من غرفة إلى غرفة، ومن شرفة إلى شرفة. لايهدأ أبداً.يراقب ظهور القمر والليل والسكون. يزرع أشجانه وآماله. بعضها ينبت، وبعضها يندمل في الأرض. ولا يعكرّ صفاءه إلاَّ الأحلام المغلّفة، والأحلام المغلّفة في ومضات من الألم. ولم تتعكر حياته في هذين الشهرين إلاَّ بعد أن لامست أصابعه دفء جسد عائشة، خاصة بعد أن طبع قبلة على شفتيها وقبلتين على جبينها. شعر آنذاك بالحب الحقيقي، وشعرت عائشة بأنها فتاة تستحق هذا التقدير. تلّمس شعرها المنثور، المفتوح فوق كتفيها دون رقيب، فشعرت في حينه بأنوثتها وإنسانيتها. حان الوقت للنوم، ولو أنه لا يطيل الأعمار. ورغم الأنين الداخلي غير المسموع الذي يسرق أحلامه المتحركة، ابتسم، ابتسامة نائم. شعرت أن التفاؤل يشق طريقه في درب جديدة، وأن خطة يرسمها في ذهنه وقلبه، وسينفذها في الأيام القادمة. ومن حقي الآن أن أبحث عن سبب هذه الابتسامة، وفي هذه الليلة، مقارنة مع الأسابيع الماضية. فهمت الدافع. استدركت أنه قبل أن يلقي رأسه على الوسادة أخرج قطعة من تحتها، قبّلها مرتين ووضع كفّه تحت رأسه ثم أطبق جفنيه. كنت أراقب حركاته. أفتح البطانية بهدوء، وأشم رائحة عُطرٍ نفثت في جو الغرفة أريجاً. وحين أخرج صورة عائشة بخّ عطراً عليها من زجاجة أسطوانية لها بخاخ. عطر جيد وغالي الثمن. تصاعدت أنفاسه. وبدوري انسحب نحوي القلق وتسمّر أمام مقلتيَّ،، وأنسابت الذكريات وتقاطرت بهدوء. نقلتها أمواج الهواء متجاوزة الجبال والأودية والحواجز، وقفزت فوق المناطق الحُمر والجسور، فأخذت تهز أوتاري المربوطة بين الأوردة، وفي قلوب الأعزاء الذين يجلسون قلقين وينامون على الفرش كأنهم يتقلبون فوق الجمر، وعيونهم تغرورق بدموع القلق. لا أدري كيف دخلت هذه الأفكار إلى رأسي، وكيف خرجت! فكرة تجرّ فكرة. أدخل في طريق وأعود من طريق آخر. أتمسك بحبال. أتسلق جبلاً وأدور، أُعيد تواريخ هذا العام المزدحم بعشرات ومئات الحوادث الرطبة والجافة، المحزنة والمفرحة. ثم تجاوزت القلق وتجرأت قائلاً: " لا تحزن. لا ينفعك التأمل، ولن تجد العلاج. اطرد الأفكار الغريبة من رأسك. تأمل الشروق ولا تجعل عواطفك تسبق عقلك". أعلم أن التمتمات الجوّانية لا تجدي نفعاً. الصياح، وتفجير كل الأشياء المحبوسة بصوت عالٍ تتقاذفه الجدران الأربعة أفضل بكثير، لكني لم أجرؤ رغم محاولاتي المتكررة ولم يخرج صوتي من أية نافذة. شخير حيّان يخبو، وينهض، لكنه بعد هذا الصعود عدّل نومته، وانقلب على جنبه، ولم أعد أسمع سوى صوتي، وأصوات هواجسي الجاثية في داخلي. توقفت أمام باب مشفى البربير علّي أُبصر عائشة وأشاهدها وراء الزجاج ملفعة بالبياض. تحمل المنظار. تخترق أبصارها الجدران. تصوبه إلى سن الفيل، لكن الحراس منعوتي، وقالوا : " لم يحن موعد الزيارة! هنا بيروت تنزف. لم تشف بعد. ماذا تريد منها؟ عاماً كاملاً وأنت تتنقل فوق جسدها!" أسمع صوتاً يناديني من بعيد. يترنم قلبي لصداه.. أجبتُ الحارس: لا أيها الحارس إنني أتمرّغ في أوحالها. أنتم الذين جلبتم العار إليها. كان جسدها غضّاً نديّاً، ناصع البياض، وشعرها يسترسل ناعماً، يهبط حتى أسفل ظهرها. أنتم الذين حملتم المقص، وبدأتم تجزّون هذا الشعر الخرنوبي، ولولا مقصّكم لما كانت هذه الشواطئ يتيمة وحزينة تندب رذاذاً مُرّاً. وهذا الرذاذ المتناثر يغسل وجوهكم، لكنه لم يستطع أن يمسح العار عن وجهها. اسمح لي أيّها الحارس أن أرى وجهها ولو مرة واحدة، فمنذ شهرين لم أراها. كدتُ أضيّع بعض ملامحها وأتوه بين تجعدات وجهها وجبينها، لكني حين أتذكر حاجبيها الموصولين وأتفقد المنطقتين الممتدتين إلى الشرق وإلى الغرب من قلب العاصمة، أشاهد خطاً، تسمونه خط التماس يفصل بين الحاجبين. لماذا تضعون المتاريس، وترفعون الستور الترابية وتحفرون الخنادق في جبينها؟ لماذا تتجمع وترتفع أكياس الرمل وتتحلق، متراصفة، تتخللها كوى ومنافذ للرصد والرؤية وإطلاق الرصاص. تمتد منها نحو الفضاء سبطانات الأسلحة الخفيفة والمتوسطة؟ لماذا؟ لا تصوبونها وتوجهون راجماتكم ومدافعكم التي تقصفنا إلى قوات المارينز، الآخذة بالقدوم إلى شواطئ بيروت؟ لماذا لا توجهونها إلى الخاصرة الجنوبية الجريحة؟. إننا قادمون ضيوفاً إليكم نبتغي أن يبقى هذان الحاجبان متصلان مع بعضها ونزيل الغبار المتراكم بينهما حتى أوشك أن يتحول إلى تلال من الفرقة و الكراهية، نزيله ونمسحه بمناديلنا البيض. لا نريد أن نجرف صخور أرضكم ونقطع أرزاقكم مهمتنا أن لا نقطع. مهمتنا أن نزيل الستور الرملية ونفتح البوابات على مصاريعها. صمتَ الحارس لحظة ثم قال: أسلحة المنطقة الشرقية هي التي قصفت مشفى البربير وكادت عائشة المستلقية فوق سريرها في قبو تحت الأرض، أن تُصيبها الشظايا. أكياس الرمل المرتبة فوق بعضها، والمبنية كجدار بناء، شكلت حماية لها. هل تسمع أنينها؟ أسمع. . اسمع، لا تتنفس! اقطع نَفَسك ثانية واحدة. وعندما ضبطتُ أنفاسي لبرهة قصيرة كان الأنين مترافقاً مع نزف الجراح. كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً، وأنا أتقلّب على ظهري وجانبي، علّي آخذ إغفاءة، فالوهن والإرهاق أتعباني. تتسلل نسائم لطيفة تحمل رائحة البرد تنقل إليَّ صفاء الفضاء، ونداوة الليل. وتُقبّل حزم الضوء بلّور النافذة. تدقّ عليها دقات خفيفة، بينما كان حيّان يتثاءب، كانت الشمس تبزغ من الأفق، تكسو أحلامنا دفئاً وجمراً. لم أصحُ. إلاَّ على صيحات الحراس، وطقطقة الطناجر والصحون، وهدير محركات السيارات. تركتُ حارس المشفى يراقب الطرقات، أغلقت الأبواب والنوافذ والشقوق التي تسرّب إلي همسات الأحلام ووشوشاتها. نهضتُ مع الناهضين، وحين نظرت عبر الزجاج، كانت الساحة تعجّ بالجنود والشاحنات والحركة والأصوات. تتحرك الدبابات إلى الأمام تارة وإلى الخلف تارة أخرى دون أن تبرح حُفرها. وخلف مرابض المدفعية كانت الطواقم تنظف السبطانات وتحضر صناديق الذخائر. خلف الأبنية عناصر من المجندين وصف الضباط والضباط. انطلقت صافرة طويلة. أخذت الأبواق المنصوبة على القصر القرميدي تهدر وتجعر بأصواتها، وتدوّي، تصل إلى أعماق العاصمة. تحركت سيارات الإسعاف. هبّت مندفعة كالريح من مخابئها، تركت ظلّ الجدران. أما الأشجار فبقيت منتصبة القامات وعلى أنساق، مصفوفة كأنها عرائس في ساعة الزفاف، أعناقها مرفوعة، تراقب الشوارع والأبنية وحركة العناصر والناس. تأبّطت خريطة بيروت المحملة بالخطوط الحمر والزرق. دققتُ في جميع المواقع القديمة والجديدة. مررت إصبعي فوق جسر الموت ثم مررته على جسر الدورة وبرج حمود. هبطتُ السلّم إلى قبوٍ، دخلت إلى غرفة العمليات الحربية فكان القادة، من المراتب العليا، ورؤساء أركان الكتائب، وقادة السرايا والفصائل المستقلة، يتحلقون حول طاولة مستديرة وكبيرة. بعضهم نزع الرتب، وآخرون وضعوا خوذهم النحاسية بجانبهم. تقدمتُ. . فتحت خريطة بيروت. تراجعت إلى الخلف خطوة. راقبت الموقف العسكري الجديد بصمت دون أن أنطق كلمة واحدة. استمعت إلى أحاديثهم، وخططهم، والمناقشات الدائرة حول الخطة. حمل حيّان المنظار الجديد. وقف في زاوية دون أية حركة. في البناء العالي يراقب ويفتش طيّات الفضاء. يبحث عن أشياء تنبئ عن رعود وبروق قادمة. وعن أمطار تغسل الأحزان وتمسح الأوجاع وتطهرها، وتزيل الآلام. قال " قا.ك" : قواتنا كثيفة في سن الفيل، وتضم كل أنواع الأسلحة، والاختصاصات، والاحتياطات الضرورية. ووصلت قوات مساندة من بيروت الغربية. تناول جهاز اللاسلكي، أبدل الموجة. وجّه نداء إلى قادة السرايا والفصائل، وأصدر التعليمات بالانتشار وتوزيع العناصر حسب موقع كل سرية وفصيلة. ركزّ معظمها في الجهة الشرقية خوفاً من تسلل عناصر من القوى المناوئة، من حيَّ النبعة، والغدر بقواتنا. وأما سرايا الدبابات والمدفعية فأوعز إليها بأخذ مواقعها وراء القصر. قال مطمئناً " لن يطول بقاؤنا أكثر من شهرين. وفي أوائل الشتاء ستتم عملية التبديل". نقلت هذا الخبر إلى حيّان ساخناً، لكني لم أجده في مكانه المعتاد، بل وجد مكاناً أفضل في الزاوية الشمالية. ثبّت يديه جيداً. وجّه رأسه إلى برج حمود معتقداً أنه سيرى أبا سركيس بهذه السهولة يرش الورود بالماء وتموء القطط في باحة الدار، وما دفعه إلى هذا الاعتقاد، عدم وصول أي خبر منذ الرحيل. لا أريد أن أفتح طاقة جديدة في قلبه. تركت الوجع منسيّاً في حفرة صغيرة. أمات نبضة فأخذ مكانها هناك على جانب درب تصل بين الرأس والقلب. ولا أعلم إذا كانت أحلامه تقترب في تلك الليلة من هواجسي. فوجئ حيّان بالأخبار الجديدة. بدأ صبره ينفد. شتم الحياة. تطاير لعابه مع دخان سيجارته. هدأته روضت أعصابه. أكدت له، أن الاحتمال الأول هو التبديل والاحتمال الثاني، وهو الأضعف استمرار القتال. وحينما سمع بما جرى لي في الليلة الفائتة مع حارس" البربير" كادت عيناه تقفزان من محجريهما، ويسقط المنظار من يده. تركته يتساءل عمّا يجري وما مدى صحة هذه القصص والأقاويل! - لا أصدقك يا محمود! إنك تعاكس الأحداث. وتعكسها لي مكثفة. الأمور تتعقد أكثر من الأول، خصوصاً بعد قدوم " المارينز" والتهديدات الأسرائيلية، ونواياها الخبيثة في شن هجوم كبير، واقتحام بيروت. والتطورات الحاصلة مؤخراً في دول أوربة الغربية، وجولة " البابا" الطويلة في عدة بلدان واللقاء المرتقب مع زعماء حزبي " الكتائب" والأحرار". كل هذه التطورات المكوكية تدفعني للاعتقاد، بل للجزم، بأن عودتنا إلى سورية ليست بهذه السهولة والسذاجة. سنبقى هنا أو ننتقل إلى مكان آخر من بيروت الشرقية. فالأوراق السياسية اختلطت مع بعض، وتستمر المشاحنات والتهديدات. والأهم من هذا وذاك أن عائشة لم تتعافَ. مرضها معقّد وجرحها عميق، وهذه المدة غير كافية لالتئامه.والعلاج المقدّم لها علاج مؤقت، إنها مسكّنات يا محمود! أقراص تهدئ الأوجاع وتخفف الآلام، وما إن ينتهي مفعولها تعود إلى ما كانت عليه. ولا يتم الشفاء التام إلا بعد إزالة الأوجاع وتطهيرها من الآلام. وإذا أراد أي طرف من الأطراف المتقاتلة، عليه أن يضع إصبعه مكان المسامير، ويلمس إكليل الشوك فوق رأسها. انسحب حيّان إلى الداخل. بقيتُ أفكر وحدي في مغزى حديثه. أنظر في البعيد البعيد، أوزع بصري، أشتته وأقفّز فوق التلال والطرقات ورؤوس الأشجار الممتدة خلف الأبنية. لحقت به بسرعة حين اصطدمت طلقة سامة بحافة النافذة العليا فكّرتُ بما حصل، ما سيحصل، وهل ستكون هذه الرصاصة بداية للقتال؟ أعرف من تجربتي أن البدايات قذيفة مدفعية أو قنصة. وكان هذا الأمر شائعاً في الماضي القريب، وسيتكرر الآن. وهذا القنّاص رصد تحركاتنا وأراد مداعبتنا ممازحاً بندقيته أو مغازلتنا في هذه الظهيرة، وهو متأكد أن هذه الطلقة حتى ولو قتلت أحدنا لا يخسر شيئاً، ولا تسبب له الأذى، والانزعاج، وهو أمر عادي جداً في الحرب اللبنانية الأهلية. لاحظ حيّان اصفرار وجهي، فقدّم لي كأساً من الماء، وبينما هو يحدّق إلى جلد وجهي. كانت محركات الدبابات تهدر وتنفث دخاناً كثيفاً، وغباراً، من مكان بعيد. عرفنا أن عملية عدوانية نُفذّت ضد أحد حواجزنا على طريق الشام، وقُتل فيها ثلاثة عناصر، وأعُطبت سيارة مدنية كانت تعبر الطريق في تلك اللحظة. ظلّ أمران يشغلان تفكيرنا، الانتقال إلى مكان آخر أو التحرك النهائي، وإجراء عملية التبديل. وفيما كان حيّان يدبّر أمور الغداء، كان الحاجب يحمل معه رزمة من الأوراق والمصورات الصمّاء لبيروت. قال، قبل أن يسلمني الأوامر والتعليمات " سينتقل مقرّ " قا:ك" إلى بناية أخرى" وأشار إلى جهة معينة وما علينا إلاَّ الإسراع بجمع الأسرة والفرش والبطانيات، والتعليمات والمصنفات لكننا تأكدنا أن احتمال تجدّد القتال غير وارد خلال الأسبوع القادم!.
|
||
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 5 (رابط مباشر للمشاركة) |