رد : ففـــروا إلى اللَّه ... ففـــروا إلى اللَّه .
أولاً : شــروط التـــوبـــة :
جاء في (( مختصر منهاج القاصدين )) : (( واعلم أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزمًا وقصدًا ، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلاً بـين الإنسان وبـين محبوبه .
والندم : هو توجع القلب عند شعوره بفراق المحبوب ، وعلامته طول الحزن والبكاء ، فإن من استشعر عقوبة نازلة بولده أو من يعزُّ عليه ، طال بكاؤه ، واشتدت مصيـبته ، وأي عزيز أعز عليه من نفسه ؟ وأي عقوبة أشد من النار ؟ وأي سبـب أدل على نزول العقوبة من المعاصي ؟ وأي مخبر أصدق من رسول اللَّه ؟ ولو أخبره طبـيـب أن ولده لا يـبرأ من مرضه لاشتد في الحال حزنه ، وليس ولده بأعز من نفسه ، ولا الطبـيـب أعلم من اللَّه ورسوله ، ولا الموت بأشد من النار ، ولا المرض أدل على الموت من المعاصي على سخط اللَّه ، والتعرض بها للنار ))( ) . انتهى .
قال النووي رحمه اللَّه : (( قال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بـين العبد وبـين اللَّه تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط :
أحدها : أن يقلع عن المعصية .
والثاني : أن يندم على فعلها .
والثالث : أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا . فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته . وإذا كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يـبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه ... ))( ) . انتهى .
فــائــــدة :
قال رسول اللَّه : (( الندم توبة )) . صحيح . رواه أحمد وغيره . انظر (( صحيح الجامع )) . جاء في (( فتح الباري بشرح صحيح البخاري )) لابن حجر العسقلاني رحمه اللَّه تعالى ( ج 11 ص107 ) : ( المعنى : الحض عليه [ أي الندم ] ، وأنه الركن الأعظم في التوبة لا أنه التوبة نفسها ) . اهـ . قال المناوي رحمه اللَّه تعالى : ( وهذا من قبـيل : الحج عرفة ، وإنما كان أعظم أركانها ؛ لأن الندم شيء متعلق بالقلب ، والجوارح تبع له ، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي ، فرجعت برجوعه الجوارح ) .
من آيات القرآن الكريم الدالة على التوبة :
قال اللَّه تعالى : وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ البقرة : 286 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : ( وقوله تعالى : وَاعْفُ عَنَّا أي : فيما بـيننا وبـينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ، وَاغْفِرْ لَنَا أي : فيما بـيننا وبـين عبادك ، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبـيحة ، وَارْحَمْنَا أي : فيما يستقبل ، فلا توقعنا - بتوفيقك - في ذنب آخر ، ولهذا قالوا : إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء : أن يعفو اللَّه عنه بـينه وبـينه ، وأن يستره عن عباده ، فلا يفضحه به بـينهم ، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره ) .
قال اللَّه تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [ آل عمران : 135، 136 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : ( وقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ أي : إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار . قال الإمام أحمد( ) . عن أبـي هريرة رضي اللَّه عنه ، عن النبـي قال : (( إن رجلاً أذنب ذنبًا فقال : رب إني أذنبت ذنبًا فاغفر لي ، فقال اللَّه عزّ وجلّ : عبدي عمل ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به( ) قد غفرت لعبدي ، ثم عمل ذنبًا آخر ، فقال : رب عملت ذنبًا فاغفره ،
فقال تبارك وتعالى : عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ، ثم عمل ذنبًا آخر ، فقال : رب إني عملت ذنبًا فاغفره لي ، فقال عزَّ وجلَّ : عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ، ثم عمل ذنبًا آخر ، فقال : رب إني عملت ذنبًا فاغفره ، فقال اللَّه عزَّ وجل : عَلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به ، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ))( ) .
وعن علي رضي اللَّه عنه قال : كنت إذا سمعت من رسول اللَّه حديثًا نفعني اللَّه بما شاء منه . وإذا حدثني عنه غيره استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ؛ وإن أبا بكر رضي اللَّه عنه حدثني ، وصدق أبو بكر ، أنه سمع رسول اللَّه قال : (( ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء ، ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللَّه عزَّ وجلَّ ، إلا غفر له ))( ) .
ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في (( صحيحه )) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ، عن النبـي قال : (( ما منكم من أحد يتوضأ فيـبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، إلاَّ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء )) . عن أنس رضي اللَّه عنه قال : بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ بكى .
وروى الإمام أحمد في (( مسنده )) عن أبـي سعيد عن النبـي قال : (( قال إبليس : يا رب ، وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، قال اللَّه تعالى : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ))( ) . وقوله تعالى : وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ أي : لا يغفرها أحد سواه ، وقوله : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي : تابوا عن ذنوبهم ورجعوا إلى اللَّه عزّ وجلّ عن قريـب ، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها ، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه .
وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن من تاب تَاب اللَّه عليه ، وهذا كقوله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ، وكقوله : وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ، ونظائر هذا كثيرة جدًّا . ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به : أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ أي : جزاؤهم على هذه الصفات ، وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أي : من أنواع المشروبات ، خَالِدِينَ فِيهَا أي : ماكثين فيها ، وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ يمدح تعالى الجنة .
قال اللَّه تعالى : وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [ النساء : 110 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : ( يخبر تعالى عن كرمه وجوده ، أن كل من تاب إليه تَاب عليه من أي ذنب كان ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا .
قال ابن عباس : أخبر اللَّه عباده بعفوه وحلمه وكرمه ، وسعة رحمته ، ومغفرته ، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبـيرًا ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال( ) .
وقال ابن جرير : قال عبد اللَّه : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه ، وإذا أصاب البول منه شيئًا قرضه بالمقراض ، فقال رجل : لقد آتى اللَّه بني إسرائيل خيرًا ، فقال عبد اللَّه رضي اللَّه عنه : ما آتاكم اللَّه خيرًا مما آتاهم ، جعل الماء لكم طهورًا ) .
قال اللَّه تعالى : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [ الفرقان : 70، 71 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : ( وقوله تعالى : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا
أي : جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبـيحة ما ذكر إلاَّ مَن تَابَ أي : في الدنيا إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من جميع ذلك ، فإن اللَّه يتوب عليه ، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل ، ولا تعارض بـين هذه وبـين آية النساء : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا الآية ، فإن هذه وإن كانت مدنية ، إلا أنها مطلقة ، فتحمل على من لم يتب .
وقوله تعالى : فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا .
في معنى قوله : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قولان :
أحدهما : أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات . قال ابن عباس : هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب اللَّه بهم عن السيئات فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات . وقال سعيد بن جبـير : أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن ، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين ، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات . وقال الحسن البصري : أبدلهم اللَّه بالعمل السيئ العمل الصالح ، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا ، وأبدلهم بالفجور إحصانًا ، وبالكفر إسلامًا .
والقول الثاني : أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات ، كما ثبتت السنة بذلك وصحت به الآثار المروية عن السلف رضي اللَّه عنهم . فعن أبـي ذر رضي اللَّه عنه قال : قال رسول اللَّه : (( إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار ، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة ، يؤتى برجل فيقول : نحُّوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها ، قال : فيقال له : عملت يوم كذا ، كذا وكذا ، وعملت يوم كذا ، كذا وكذا ، فيقول : نعم ، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا ، فيقال : فإن لك بكل سيئة حسنة ، فيقول : يا رب ، عملت أشياء لا أراها هاهنا )) . قال : فضحك رسول اللَّه حتى بدت نواجذه( ) .
وقال علي بن الحسين زين العابدين : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ . قال : في الآخرة . وقال مكحول : يغفرها لهم فيجعلها حسنات .
ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده ، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان جليلاً أو حقيرًا ، كبـيرًا أو صغيرًا ، فقال تعالى : وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا أي : فإن اللَّه يقبل توبته ، كما قال تعالى : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ الآية ، وقال تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ الآية ، أي : لمن تاب إليه ) .
قال اللَّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [ الشورى : 25 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : ( يقول تعالى ممتنًا على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه ، أنه من كرمه وحلمه يعفو ويصفح ، ويستر ويغفر ، كقوله عزّ وجلّ : وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ، وقد ثبت في (( صحيح مسلم )) عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه : (( للَّه تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة( ) ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس( ) منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته ، فبـينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها( ) ، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح )) .
وقوله عزَّ وجلَّ : وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ أي : يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي ، وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ أي : هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ، ومع هذا يتوب على من تاب إليه ) .
قال اللَّه تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [ التحريم : 8 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا أي : توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات ، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات . قال عمر ( التوبة النصوح ) : أن يتوب من الذنب ، ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه . وقال أبو الأحوص : سُئل عمر عن التوبة النصوح ، فقال : أن يتوب الرجل من العمل السيئ ، ثم لا يعود إليه أبدًا . وقال ابن مسعود : تَوْبَةً نَّصُوحًا قال : يتوب ثم لا يعود ، ولهذا قال العلماء : التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ، ويندم على ما سلف منه في الماضي ، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل ، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه ، وفي الحديث الصحيح : (( الندم توبة ))( ) .
وقال الحسن : (( التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحبـبته ، وتستغفر منه إذا ذكرته )) . فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات ، كما ثبت في الصحيح : (( الإسلام يجب ما قبله ، والتوبة تجب ما قبلها )) .
وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات - كما تقدم في الحديث وفي الأثر - ثم لا يعود فيه أبدًا ، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم لعموم قوله : (( التوبة تجب ما قبلها )) ؟
وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا : (( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر )) . فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة ، فالتوبة بطريق الأولى . واللَّه أعلم .\
وقوله تعالى : عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، وعسى من اللَّه موجبة .
يتبع بإذن الله
|