رد : ففـــروا إلى اللَّه ... ففـــروا إلى اللَّه .
قال اللَّه تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ الزمر : 52- 59 ] .
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسيره العظيم : هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن اللَّه تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها ، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر ، ولا يصح حمل هذه على غير توبة ؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه . عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمدًا فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزل : وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ [ الفرقان : 68]، ونزل : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ( ) ...
فهذه الأحاديث كلها : دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ، ولا يقنطن عبد من رحمة اللَّه ، وإن عظمت ذنوبه وكثرت ، فإن باب الرحمة والتوبة واسع ، قال اللَّه تعالى : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [ التوبة : 104 ] ، وقال عزّ وجلّ: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [ النساء : 110 ] ، وقال جل وعلا في حق المنافقين : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ [ النساء : 145، 146 ] ، وقال تبارك وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [ البروج : 10 ] .
قال الحسن البصري رحمه اللَّه : انظروا إلى هذا الكرم والجود : قتلوا أولياءه ، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ! والآيات في هذا كثيرة جدًّا ، وفي (( الصحيحين )) عن أبـي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه أن نبـي قال : (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا ، فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله ، فكمل به مائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالِم ، فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، مَن يحول بـينه وبـين التوبة ، انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإن بها أناسًا يعبدون اللَّه فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى اللَّه تعالى ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرًا قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بـينهم فقال : قيسوا ما بـين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة )) . وفي رواية : (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها )) . وفي رواية : (( فأوحى اللَّه إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربـي ، وقال : قيسوا بـينهما ، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له )) . وفي رواية : قال قتادة : قال الحسن : (( ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى بصدره نحوها )) . وقال ابن عباس في قوله عزّ وجلّ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ الآية ، قال : قد دعا اللَّه تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو اللَّه ، ومن زعم أن المسيح هو ابن اللَّه ، ومن زعم أن عزيرًا ابن اللَّه ، ومن زعم أن الله فقير ، ومن زعم أن يد الله مغلولة ، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة ، يقول اللَّه تعالى لهؤلاء : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ المائدة : 74 ] .
ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء ؛ من قال : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [ النازعات : 24 ] ، وقال : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38]. قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : من آيس عباد اللَّه من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب اللَّه عليه . وروى الطبراني عن ابن مسعود قال : إن أعظم آية في كتاب اللَّه : اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] ، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [ النحل : 90 ] ، وإن أكثر آية في القرآن فرحًا : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ، وإن أشد آية في كتاب اللَّه تفويضًا : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ( ) [ الطلاق : 2، 3 ] ، ومرَّ عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه على قاص وهو يذكر الناس ، فقال : يا مذكر ، لِمَ تقنط الناس من رحمة اللَّه ؟ ثم قرأ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ( ) .
ذكر أحاديث فيها نفي القنوط :
عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال : سمعت رسول اللَّه يقول : (( والذي نفسي بـيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بـين السماء والأرض ، ثم استغفرتم اللَّه تعالى لغفر لكم ، والذي نفس محمد بـيده لو لم تخطئوا لجاء اللَّه عزّ وجلّ بقوم يخطئون ثم يستغفرون اللَّه فيغفر لهم ))( ) . عن أبـي أيوب الأنصاري رضي اللَّه عنه أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنت كتمت منكم شيئًا سمعته من رسول اللَّه يقول : (( لولا أنكم تذنبون لخلق اللَّه عزّ وجلّ قومًا يذنبون فيغفر لهم ))( ) .
وقال رسول اللَّه : (( لو لم تذنبوا لجاء اللَّه تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم ))( ) ، ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة ، فقال : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ إلخ ، أي : ارجعوا إلى اللَّه واستسلموا له ، مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ أي : بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم وهو القرآن العظيم ، مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أي : من حيث لا تعلمون ولا تشعرون ، ثم قال تعالى : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ أي : يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين للَّه عز وجل ،
وقوله تبارك وتعالى : وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي : إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصـدق ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي : تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل . قال ابن عباس : أخبر اللَّه سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه ، وعملهم قبل أن يعملوه ، وقال تعالى : وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [ فاطر : 14 ] ، أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، فأخبر اللَّه عزّ وجلّ أن لو ردوا لما قدروا على الهدى ، فقال : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] ،
وفي الحديث : (( كل أهل النار يرى مقعده من الجنة ، فيقول : لو أن اللَّه هداني فتكون عليه حسرة ، قال : وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار ، فيقول : لولا أن هداني قال : فيكون له الشكر ))( ) . ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا ، وتحسروا على تصديق آيات اللَّه واتباع رسله ، قال اللَّه سبحانه وتعالى : بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ أي : قد جاءتك أيها العبد النادم آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك ، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها( ) . انتهى .
فــائــــــدة :
قال رسول اللَّه : (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) . حسن ، رواه ابن ماجه . انظر (( صحيح الجامع )) .
جاء في (( مختصر منهاج القاصدين )) : ( فأما من ارتكب كبـيرة ، أو أهمل أركان الإسلام ، فإنه إن تاب توبة نصوحًا قبل قرب الأجل ، التحق بمن لم يرتكب ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والثوب المغسول كالذي لم يتسخ أصلاً ) .
|