لا يقال : فلان شهيد- بإجماع أهل العلم
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله و صحبه
أجمعين وبعد :
فمن الأخطاء القاتلة في العقيدة ، إطلاق تسمية : (( شهيد )) على شخص معين !
و إليكم ما يلي :
سئل الإمام : (( العثيمين )) : هل يجوز إطلاق
( شهيد) على شخص بعينه فيقال الشهيد فلان ؟ .
فأجاب - رحمه الله - بقوله :
لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى -
لو قتل مظلوماً أو قتل وهو يدافع عن الحق - فإنه لا يجوز أن نقول
فلان شهيد - وهذا خلاف لما عليه الناس اليوم حيث رخصوا هذه
الشهادة ، وجعلوا كل من قتل حتى ولو كان مقتولا في عصبية جاهلية
يسمونها شهيدا - ! وهذا حرام ! لأن قولك عن شخص قتل : ((هو شهيد ))
يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة ، سوف يقال لك هل عندك
علم أنه قتل شهيدا ؟ ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((
ما من مكلوم يكلم في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا
جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح
المسك )) فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( والله أعلم بمن
يكلم في سبيله )) – يكلم : يعني يجرح – فإن بعض الناس قد يكون
ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا - ولكن الله يعلم ما في
قلبه وأنه خلاف ما يظهر من فعله - ولهذا بوب البخاري – رحمه الله
– على هذه المسألة في صحيحه فقال : ( باب لا يقال فلان شهيد ! ) لأن
مدار الشهادة على القلب ، ولا يعلم ما في القلب إلا الله – عز وجل
– فأمر النية أمر عظيم ، وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون
بينهما كما بين السماء والأرض ، وذلك من أجل النية ! فقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما
نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله
، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما
هاجر إليه )) والله أعلم.
[ وسئل الشيخ العثيمين - أيضا - ]: عن حكم قول فلان شهيد ؟ .
فأجاب بقوله : الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون
على وجهين :
أحدهما : أن تقيد بوصف مثل أن يقال كل من قتل في سبيل الله فهو
شهيد ، ومن قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن مات بالطاعون فهو
شهيد ، ونحو ذلك ، فهذا جائز كما جاءت به النصوص ، لأنك تشهد
بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونعنى بقولنا – جائز
– أنه غير ممنوع - وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقا لخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل : (( أن تقول بعينه إنه شهيد ))
، فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ، أو اتفقت
الأمة على الشهادة له بذلك ، وقد ترجم البخاري – رحمه الله – لهذا
بقوله : ( باب لا يقال فلان شهيد) قال في الفتح 90/6 : (( أي على
سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي )) وكأنه أشار إلى حديث عمر
أنه خطب فقال : (( تقولون في مغازيكم فلان شهيد ، ومات فلان شهيدا -
ولعله قد يكون قد أوقر رحالته - إلا لا تقولوا ذلكم ، ولكن قولوا كما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات في سبيل الله أو
قتل فهو شهيد )) وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد ابن منصور
وغيرهما من طريق محمد ابن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر .
[ انتهى كلامه].
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم له - وشرط كون الإنسان
شهيدا : أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا - وهي نية باطنة لا سبيل
إلى العلم بها - ! ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - مشيرا إلى
ذلك - : (( مثل المجاهد في سيبل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله
- ...)) . وقال : (( والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم
بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دما اللون لون
الدم ، والريح ريح المسك )) . رواهما البخاري من حديث أبى
هريرة . ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك ، ولا
نشهد له به ولا ننسي به الظن - والرجاء مرتبة بين المرتبتين -
ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء ، فإذا كان مقتولا في الجهاد
في سبيل الله ، دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من
الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد ، لزم من تلك الشهادة أن نشهد
له بالجنة ! وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة - فإنهم لا يشهدون
بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ، بالوصف أو
بالشخص - وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت
الأمة على الثناء عليه وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميه –
رحمه الله تعالى - . وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص أنه
شهيد إلا بنص أو اتفاق ، لكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له
ذلك كما سبق ، وهذا كاف في منقبته ، وعلمه عند خالقه – سبحانه
وتعالى - .
المصدر : [ كتاب المناهي اللفظية ] .
التوقيع : (( أبو معاوية - محب آل البيت الأطهار ))
|