عرض مشاركة واحدة
قديم 01-12-2006 [ 10:29 AM ]
رقم المشاركة : 15 (رابط مباشر للمشاركة)
معلومات العضو
صولة ذو الفقار
[ ادما مـبـدع ]
 
الصورة الرمزية صولة ذو الفقار

إحصائية العضو




صولة ذو الفقار غير متصل


إحصائيةالترشيح

عدد النقاط : 10
صولة ذو الفقار is on a distinguished road

 

افتراضي رد: سلسلة مدن عراقيه قديمه وحديثه


الفقه


ان كون البصرة مدينة تجارية مفتوحة على العالم وثقافاته المتباينة ودياناته المختلفة، ووجود طوائف متباينة من الشعوب التي تعيش فيها بشكل مستمر أو موقت، جعل من المصعب على مدرسة الحديث والسنة ان تحتل مركزاً لها في المجتمع البصري المتفتح، فما هو مقبول في مكان قد لا يكون مقبولاً في كل مكان آخر، وما هو متعارف في زمان قد لا يكون متعارف في كل زمان، ومدرسة الحديث التي استقطبت الكثير من المجتمعات البسيطة وخدمت الدين الإسلامي فيها لم تتمكن من أداء هذا الدور في مدينة البصرة، فمن السهل ان تقنع البدوي بان هذا حلال أو حرام لان رسول الله قال كذا وكذا، أما في المجتمع التجاري المتفتح فان ذلك قد يكون عسيراً في بعض الأحيان ما لم ينظر إلى الحديث وهل هو معقول ويتجانس مع الفكر والمنطق أو انه حديث مدسوس قد دسته فئة من الناس لأسباب أو مصالح خاصة، لذا فقد سادت المدرسة العقلية في مدينة البصرة.


لقد بدأت تلك المدرسة على يد الحسن البصري، وهو من كبار التابعين، وكان وأصحابه يدعون أهل العدل والتوحيد، وذلك لأنهم كانوا يقولون ان الله عادل، ولتقريب فكرة العدل الإلهي عندهم نورد الطريفة التالية، وذلك ان رجلاً من عامة الناس كان يناقش زوجته في أمر الحجاج وان الله سيعذبه بنار جهنم، ويبدوا ان زوجته لم تتفق معه تماماً، فقال لها حانقاً : أنت طالق في الثلاث ان كان الله لا يدخل الحجاج النار ! وفي المساء نسي الرجل الموضع واراد ان ينام مع زوجته فقالت له : كيف تكون معي في نفس الفراش وقد طلقتي بالثلاث ؟ فسألها الرجل متعجباً : ومتى وكيف طلقتك بالثلاث ؟ فذكرته بيمينه حول الحجاج، وقالت : من أدراك ان الله سيلقيه في النار ؟ ألا تعلم ان الله قد يغفر الذنوب جميعاً لأي عبد من عباده ! فأشكل الآمر على الرجل وذهب في اليوم الثاني إلى الحسن البصري وروى له القصة، فتبسم الحسن وقال له : يا بني ان كان الله يغفر للحجاج كل ذنوبه وجرائمه فان زناك بزوجتك أمر تافه سوف لن يحاسبك الله عليه ! اذهب إلى زوجتك ولا تفكر بأمر يمينك ! أننا لو استطلعنا آراء أهل مدرسة الحديث في هذا الأمر لقال أكثرهم بجواز الطلاق لانه ليس لديهم دليل على ان الله سيعاقب الحجاج مع معرفتهم بكفره وجرائمه، بحجة لعل الله يغفر له لكلمة قالها أو لفعلة فعلها وهذا يتناقض مع العدل الإلهي الذي يؤمن به أهل العدل والتوحيد.


بعد ان انتقل واصل بن عطاء من المدينة إلى البصرة وكان من تلامذة الإمام محمد الباقر خامس همام في مدرسة أهل البيت على اثر خلاف بينه وبين الإمام جعفر بن محمد الصادق على مسالة ما، جلس في حلقة الحسن البصري، ويبدو ان واصل قد أثر في الكثير من الجالسين في حلقة الحسن البصري بما اكتسبه من مدرسة آل البيت من معرفة، وفي أحد الأيام اختلف مع الحسن البصري في إحدى المسائل، وبعد مناظرة بين الاثنين، أفحم واصل الحسن في تلك المسألة وقام غاضباً وقام معه جماعة من الجالسين في الحلقة، فقال الحسن بحزن : لقد اعتزلنا واصل ! فسميت الحلقة التي أسسها واصل بالمعتزلة، وأصبحت هي المدرسة المميزة لأهل البصرة.


لقد انتقلت مدرسة الاعتزال إلى بغداد وأصبحت المدرسة المهيمنة في الفقه هناك أيام خلافة المأمون العباسي واستمرت أيام المعتصم والواثق، ولكن المعتزلة والفكر الإسلامي أصيب بنكبة كبيرة عندما جاء إلى الحكم المتوكل الذي يسميه الكثير من المؤرخين بنيرون العرب حيث اضطهد أهل الفكر من العلماء واحرق كل كتب المعتزلة وكتب الفلسفة وكثير من كتب أهل القياس، ووضع في السلطة المتطرفين من الحنابلة الذين عاثوا في الأرض فساداً فكانوا يهجموا على البيوت في حين غفلة من أهلها ويضربوا أصحابها ويحرقوا مكتباتهم بحجة ان فيها بعض كتب فلسفة، واضطهدوا قادة الفكر الإسلامي وقتلوا الكثير منهم، ومما زاد في الطين بلة خضوع الخلفاء إلى القواد الأتراك الجهلة، الذين كانوا يقضون على كل ما يخالف عقائدهم بكل عنف، وبقيت الحال على هذا الأمر إلى دخول البويهيين إلى بغداد وخضوع الخلافة العباسية لهم، وبالرغم من السلبيات الكثيرة التي صاحبت حكم البويهيين إلا ان الحسنة الكبيرة في أيامهم كانت الحرية الفكرية وتشجيعهم للعلم والعلماء، حتى اصبح عصرهم يعد العصر الذهبي لكافة العلوم، وفيه ظهر الكثير من العلماء بكافة تخصصاتهم.


لقد عادت مدرسة الاعتزال إلى نشاطها من جديد ولكنها هذه المرة اتجهت إلى منحنيات فلسفية معقدة مما أبعدها عن الجمهور العام فأخذت بالانحلال وبدأ أفرادها يتحولون إلى المدارس الفقهية الأخرى كمدرسة أهل البيت ومدرسة أهل القياس، حيث أصبحت مدرسة أهل البيت تحتل الصدارة في الوقت الحاضر في مدينة البصرة، وأصبحت البصرة تتبع الكوفة في الأمور الفقهية.


الوضع الطائفي والديني


لقد كان لحرب الجمل تأثير سيئ على الوضع الطائفي للمدينة، وبالرغم من إن اكثر من نصف أهالي المدينة كانوا من أنصار الأمام علي في حربه، إلا إن تلك الحرب قد أثرت على وضع التشيع في المدينة والذي لم يكن هو السائد في صدر الإسلام، ومن ناحية ثانية فان البصرة كانت مدينة تجارية وجسراً عالمياً يمر فيها ويتشعب منها طريق الحرير الذي يمتد من الصين إلى أوربا من جهة البر والبحر كما أنها كانت مفتاح فارس والهند، لذا فقد اتصف أهلها بالانفتاح الفكري، مما لم يسمح لمذاهب السنة وحتى أهل القياس من نشر مذاهبهم فيها، ونتيجة لهذه الظروف فقد وجد مذهب الاعتزال فيها المكان الأمثل، وذلك لان هذا المذهب يدعوا إلى حرية العقل والأخذ بالمنطق أساساً رئيسياً في التشريع، وبقيت البصرة مدينة لحرية الفكر والتسامح.


المربد
كما اشتهرت مكة في الجاهلية بسوق عكاظ فقد اشتهرت البصرة بالمربد، بل ان المربد كان اعظم اثراً واكبر مساحةً وأطول عمراً من سوق عكاظ بعشرات المرات، ولم يكن أثره يقتصر على مدينة البصرة فحسب وانما امتد وشع نوره إلى كل العالم الإسلامي. فكان المدرسة التي نما فيها الشعر، وبنيت فيها قواعد اللغة العربية، وتم إثراء الفقه من خلاله، وتخرج منها الكثير من الشعراء والأدباء والفقهاء واللغويون، وما زال العالم الإسلامي يدين إلى المربد بقواعد اللغة العربية التي حفظت لغة القرآن من الضياع وكلام العرب من والتغيير. المربد الذي تخرج منه جرير والفرزدق، بشار بن برد وأبو النؤاس، الفراهيدي وسيبويه، وغيرهم من قمم أعلام اللغة والشعر والفقه والتي كان الآخرون لها تبعاً وتلاميذ.


البصرة في الشعر والنثر
قال بن أبي عيينة المهلبي يمدح البصرة :


يا جنّة فاقت الجنانَ، فما يعدلهـا قيـمةٌ ولا ثمنُ


ألفيتها فـاتخذتها وطناً، إن فؤادي لمثلهـا وطنُ


زُوّجَ حيتانها الضَبابَ بها فهـذهِ كنّـةُ وذا ختنُ


فانظر وفكّر لما نطقتُ بهِ ان الأديب المفكر الفطنُ


من سُفُنٍ كالأنعام مقبلةٍ ومـن نعامٍ كأنها سفنُ




وقال أيضاً يتشوق إليها عندما فارقها إلى جرجان :


فإن أشكُ من ليلي بجرجان طوله فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر


فيا نفسيُ قـد بدّلتِ بؤساً بنعمةٍ ويا عين قـد بدلت مـن قرّة عِبَر


ويا حبـذاك السائلي فيـم فكرتي وهمّي، ألا في البصرة الهمُّ والفكر


فيا حبذا ظهـرُ الحـزيز وبطنه، ويـا حسن واديه، إذا ماؤه زَخر


ويا حـبذا نـهر الأبـلة منظراً، إذا مـدّ فـي إبّانه الماءُ أو جزر


ويا حسن تلك الجاريات إذا غدت مـع الماء تجري مصعدات وتنحدر


فيا نـدمي إذ ليس تغني ندامتي ! ويا حذري إذ ليس ينـفع الحذر


وقائـلة : مـاذا نبا بك عنهمُ ؟ فقلت : لا علم لي، فاسألي القدر


خالد بن صفوان يصف البصرة ويمدحها


وفد خالد بن صفوان على الخليفة عبد الملك بن مروان، فوافق عنده وفود جميع الأمصار، فطلب من ابنه مسلمة بن عبد الملك ان يريهم بعض عجائب الشام وجناتها وقصورها، فقال لهم مسلمة وهم معجب بها فاقبل على وفد مكة وقال لهم : يا أهل مكة هل عندكم مثل هذا ؟ فقالوا : لا ولكن عندنا بيت الله المستقبل ! ثم التفت إلى أهل الدينة وسألهم نفس السؤال، فقالوا : فقالوا لا إلا ان فينا قبر نبي الله المرسل ! ثم سأل أهل الكوفة فقالوا : لا إلا ان فينا تلاوة كتاب الله المرسل ! ثم التفت إلى وفد البصرة فقال له خالد بن صفوان : نعم أيها الأمير ! اصف لك بلادنا ! يغدو قانصنا فيجيء هذا بالشبّوط والشيّم (أنواع من السمك الجيد)،ويجيء هذا بالظبي والظليّم، ونحن اكثر الناس عاجاً وساجاً وخزاً (حرير) وديباجاً وبرذوناً (نوع من أنواع الخيول) هملاجاً وخريدة مغناجاً، بيوتنا الذهب ونهرنا العجب، أوله الرطب وأوسطه العنب وآخره القصب، فأما الرطب عندنا فمن النخل في مباركه
كالزيتون عندكم في منابته، هذا على أفنانه كذلك على اغصانة



   

رد مع اقتباس