رد: سلسلة مدن عراقيه قديمه وحديثه تأثير الشعر واللغة والأدب على الوضع العمراني
لقد اثر الشعر والأدب واللغة على تصميم البصرة العمراني لمدينة البصرة، فقد خصصت مساحة كبيرة من المدينة دعيت بالمربد لخدمة هذا الغرض فكانت هنالك ساحات تنصب فيها السرادقات (المخيمات الكبيرة) يتبارى فيها رجال الشعر، كما كان رجال اللغة يجلسوا هناك بانتظار الأعراب ليأخذوا عنهم فصيح اللغة (راجع المربد)،ولهذا الغرض ايضاً بنى بعض الموسرين قصوراً لهم في المربد لتكون مجمع الشعراء والأدباء واللغويين والأعراب، ان هذا قد اثر على هندسة بناء المدينة كثيراً لتستوعب كل تلك المتناقضات في مكان واحد، تستوعب الأعراب وجمالهم وأحمالهم والأدباء ومجالسهم والسرادقات التي كانوا يقيمونها والأثرياء المحبين للشعر والأدب وقصورهم.
لقد كانت المربد هي التي جمعت كل تلك المتناقضات، وهي منطقة رئيسية من مناطق البصرة، لذا فان النظام العمراني لهذه المنطقة كان مختلفاً عن باقي مناطق البصرة الأخرى.
تأثير الوضع التجاري على النظام العمراني
ذكرنا ان البصرة كانت المدينة التجارية الأولى في العالم الإسلامي، لذا كان لهذا الوضع التجاري تأثيرات بالغ على الوضع العمراني للمدينة، فمن تلك التأثيرات إنها جعلت بعض مناطق البصرة مواني تجارية كجنوب البصرة التي كانت تطل على تفرع يأتي من الخليج العربي يعرف اليوم بخور الزبير، حيث كان ذلك الجزء عبارة عن ميناء مزدحم بآلاف السفن المختلفة، لذا فان من المنطق ان تكون تلك المنطقة عبارة عن مخازن للبضاعة ومحلات تجارية وفنادق (خانات) ومطاعم للتجار والبحارة، ومن المؤكد ان تلك المنطقة كانت بعيدة عن الترف والقصور التي ذكرت في كتاب الأغاني وبقية كتب الأدب والتاريخ، وقطعاً لم تكن من المناطق التي يلتقي فيها العشاق والمغنين الذين أسهب كتاب ألف ليلة وليلية وروايات الأصمعي في ذكر أخبارهم. كما كانت هنالك ميناء تجاري آخر للمدينة يبعد عنها اكثر قليلاً من عشرة أميال هو ميناء الابلة الذي يقع على الجهة الغربية من شط العرب والذي هو اليوم جزء من مدينة البصرة الحديثة، حيث كانت الكثير من السفن القادمة إلى البصرة عن طريق البحر ان تذهب إليه لأنها ستنقل بضاعتها من وإلى سفن اصغر حجماً تذهب إلى بغداد وباقي مدن ومناطق العراق عبر نهري الفرات ودجلة.
أما التأثير الثاني للحركة التجارية على عمران المدينة هو نمو طبقة ثرية من التجار انعكس ثرائها على البذخ في بناء بيوتها وقصورها مما جعل المدينة ترتدي ثياب البذخ والغنى كثاني مدينة في العالم الإسلامي بعد بغداد، ومن المؤكد ان قسماً من أولياءك التجار الأثرياء بنوا قصورهم على شواطئ الأنهار التي تربط بين المدينة وشط العرب ليكونوا على اتصال بين تجارتهم وبين المدينة ويعيشوا في مكان يتمتع بالسحر الطبيعي بين النخيل والأشجار.
أما التأثير الثالث فان المدينة كانت تصل إليها بعض المواد الأولية اللازمة للبناء والتي تعتبر بذخ زائد عن الحد في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، كأنواع الخشب الثمين من الساج والأبنوس والمصنوعات الخشبية كالأبواب ذات الزخارف الجميلة والشبابيك ذات الزجاج الملون والمصنوعات المعدنية النحاسية والحديدية المستخدمة في البناء مما جعل بيوت المدينة وعلى الأخص بيوت الأغنياء تبنى بناءً ممييزاً فيه كثير من الأبهة والبذخ، وبقايا البيوت المكتشفة في المدينة خير شاهد على ذلك، كذلك البيوت التي بنيت في البصرة الحديثة وخلال القرنين الأخيرين والتي كان من المؤكد إنها مستوحاة من تصاميم البصرة القديمة لهي دليل مادي مؤكد.
الوضع الفكري
كان للبصرة وضع فكري مميز بها فقد كانت بالاشتراك مع الكوفة تشكل عواصم اللغة الوحيدة في العالم الإسلامية فلم يكن في العالم الإسلامي غير مدرستين للغة لا ثالث لهما هما البصرة والكوفة، وكانت البصرة هي المتفوقة والمتصدرة في هذا المضمار، أما الفقه فكانت هنالك ثلاث مدارس لا رابع لهما، هما الكوفة والبصرة والمدينة (وذلك قبل بناء بغداد)،أما في الشعر فكان الشعراء الكوفيون والبصريون وما زالوا يشكلون دعامة الشعر العربي ونقطة ارتكازه، وكذا الحال في الأدب، أما الفلسفة فقد كان للفلاسفة البصريين باعاً كبيراً مميزاً.
لم يقتصر النشاط الفكري في البصرة على النشاط الأدبي والفلسفي بل كان لها نصيب لا يستهان به في العلوم، وبالرغم من إنها لم تكن تحتل مركز الصدارة كما هو الحال في اللغة والشعر والفقه إلا ان نصيبها كان لا يستهان به والسبب في ذلك لان العلوم بدأت بعد فترة زمنية من ظهور الحركات الأدبية والشعرية، أي بعد عصر الترجمة، حيث كانت بغداد هي الحاضرة الإسلامية الرئيسية التي استقطبت معظم العلماء في ذلك الوقت.
الشعر
كانت البصرة أحد المراكز المهمة في الشعر وبقيت تتنافس على مركز السيادة في العالم العربي مع الكوفة وليومنا هذا، البصرة التي سكنها فحول الشعر في العصر الأموي، الفرزدق وجرير، ولم يقتصر الأمر على هذين الشاعرين، فقد ظهر منها خيرة الشعراء في معظم العصور كبشار وأبي نؤاس، كما وكان الشعر البصري امتاز دائماً بالرقة والعذوبة والتجديد عكس الشعر الكوفة التي امتاز بالمتانة والمحافظة، وبقيت هذه الخاصية متأصلة عند الاثنين إلى يومنا هذا، فالكوفة أنجبت المتنبي اعظم الشعراء العرب، إلا انه كان محافظاً في شعره بينما أنجبت البصرة أبو النؤاس وبشار بن برد المجددين ذوي الأشعار السلسة وحتى في عصرنا الحاضر أنجبت الكوفة شاعر الشعراء الجواهري ذو الأسلوب المتين المحافظ بينما أنجبت البصرة أمير الشعر الحر بدر شاكر السياب.
بالرغم من ان الشعر البصري امتاز بالسلاسة إلا انه لم يغفل فصاحة اللغة وإحكام مفرداتها، فهذا الفرزدق الشاعر الذي أنجبه المربد يقال عنه : لولا الفرزدق لضاعت ثلث اللغة العربية، وهذا بشار الذي قال له بعض النقاد : ما من شاعر إلا وقال بعض الأبيات التي أنكرتها بعض العرب لوجود خطأ لغوي فيها، وأنت الوحيد الذي لم ينكر عليك أحد مع كثرة شعرك ! فقال : ومن أين يأتي الخطأ في كلامي ؟ لقد عشت بين ثمانين شيخاً من فصحاء بني عقيل، ما فيهم أحد يعرف الخطأ في كلامه ! وكنت عندما ادخل على نسائهم أجدهن افصح من الرجال. وهذا يبين مكانة ومتانة اللغة العربية في البصرة.
قد نكون غير مغالين إذا قلنا ان نصف الشعراء كانوا من الكوفة والبصرة والنصف الآخر كان من سائر أنحاء الوطن العربي بما في ذلك أجزاء العراق الأخرى، ولا ينطبق هذا على العصور الإسلامية فقط وانما على العصر الحاضر ايضاً، ويبدوا ان هنالك خصوصية في مناخ وتربة هاتين البقعتين فأنها تنبت الشعر وتثمر العباقرة منهم.
الأدب
يبدوا ان منافسة الكوفة للبصرة في الأدب لم تكن من الشدة كما كانت في الشعر، حتى أننا نستطيع ان نقول بان البصرة تربعت على كرسي الزعامة في الأدب تقريباً، فمنها تخرج اعظم أدباء العرب إطلاقاً، فهي بلد الجاحظ والأصمعي وابن المقفع، هؤلاء الذين يعتبرون أعلام الأدب العربي على مر العصور بدون منازع، وغيرهم كثير من الذين يأتون بالدرجة الثانية، وبالرغم من ان الكوفة هي ايضاً قد أنجبت العديد، إلا انهم اقل شهرةً، وما أنجبته بغداد فيما بعد يعتبرون تلامذة لهؤلاء العمالقة.
بدراسة متفحصة لكتاب ألف ليلة وليلة، تكتشف ان بعض أجزاء ذلك الكتاب تمت كتابتها بواسطة الكتاب البصريين، فمن يكتب قصصاً عن البحر ومغامراته لابد وانه كان يجلس مع البحارة في مجالس سمرهم ويسمع مغامراتهم وما تصادفهم من غرائب الأمور، كالتي وردت في قصة السندباد البحري المستوحاة من مغامرات البحارة الحقيقيون في رحلاتهم، وما فيها من مبالغات وخيال في بعض الأحيان، أو قصة الجبل المغناطيسي الذي يسحب السفن بفعل ما فيها من مسامير وقطع حديدية والى غير ذلك. وكتاب الحيوان للجاحظ هو مثال آخر على تلك المجالس وسماع الأخبار من بدو البادية أو بحارة السفن.
الفلسفة :
نشأت علوم الفلسفة في العالم الإسلامي بعدما تم ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية واطلع العرب عليها، وقد اسهم العرب إسهامات كبيرة في علم الفلسفة، ونظراً لان هناك بعض التعارض بين الأفكار الفلسفية العقلية وبين الأفكار الدينية النقلية فقد حارب الكثير من رجال الدين هذا العلم وأهله، حتى كانت الفلسفة علم يحضر دراسته في معظم أنحاء العالم الإسلامي وعلى الأخص في المغرب العربي وبلاد الأندلس وبلاد الشام ومصر، ولعل السبب في ذلك هو ان المدرسة الفقهية السائدة هناك كانت مدرسة الحديث والسنة حيث انتشر المذهب المالكي وهو أول المذاهب السنية، وكان معظم اتباعه وفقهائه ينظرون إلى الفلسفة كشيء محرم لانه لا يقبل الأمور المنقولة على عللها ما لم يكون لها أساس عقلي، أما في المشرق العربي وعلى الأخص في العراق فان الوضع كان يختلف كثيراً لأنهم كانوا على اتصال فكري بالحضارات القديمة والمجاورة كحضارة الإغريق والهند والصين وكثرة الفلاسفة فيها، مما سهل على المذاهب العقلية بالسائدة، تلك المذاهب التي كانت تعطي للعقل مجالاً وفسحة في التشريع الديني، فقد كانت المذاهب السائدة في العراق والمشرق هي مدرسة أهل القياس من جماعة أبو حنيفة وهي مدرسة عقلية إلى حد ما، وكذلك مدرسة آل البيت والمعتزلة اللتان جعلتا العقل أو المنطق أحد سبل التشريع الفقهي، كل ذلك أوجد تعايشاً بين الفلسفة والفلاسفة وفقهاء الدين، وكان للفلاسفة البصريون مساهمة فعالة في إثراء الفكر الإسلامي العربي، وانتاج فلسفي مميز. ففي البصرة نشأ وترعرع اعظم فلاسفة المسلمين الكندي والذي انتقل إلى بغداد فيما بعد، كما كان لاخوان الصفى ورسائلهم الفلسفية اثر كبير ايضاً، هذا بالإضافة إلى ان بعض المعتزلة كانوا يغالوا في استخدام الفلسفة في القضايا الفقهية حتى كانوا يفرغوا بعض الأمور من جوهرها الديني. |